صالح حميد / عبد الرحمن ملوح

1329

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )

حتّى أتينا ذا الحليفة ، فولدت أسماء بنت عميس محمّد ابن أبي بكر ، فأرسلت إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : كيف أصنع ؟ قال : « اغتسلي ، واستثفري « 1 » بثوب وأحرمي » . فصلّى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في المسجد ، ثمّ ركب القصواء « 2 » ، حتّى إذا استوت به ناقته على البيداء ، نظرت إلى مدّ بصري بين يديه ، من راكب وماش ، وعن يمينه مثل ذلك ، وعن يساره مثل ذلك ، ومن خلفه مثل ذلك ، ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بين أظهرنا وعليه ينزل القرآن ، وهو يعرف تأويله ، وما عمل به من شيء عملنا به ، فأهلّ بالتّوحيد « 3 » : لبّيك اللّهمّ لبّيك ، لبّيك لا شريك لك لبّيك ، إنّ الحمد والنّعمة لك والملك لا شريك لك . وأهلّ النّاس بهذا الّذي يهلّون به ، فلم يردّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عليهم شيئا منه ، ولزم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم تلبيته ، قال جابر - رضي اللّه عنه - : لسنا ننوي إلّا الحجّ ، لسنا نعرف العمرة ، حتّى إذا أتينا البيت معه ، استلم الرّكن فرمل ثلاثا « 4 » ومشى أربعا ، ثمّ نفذ إلى مقام إبراهيم عليه السّلام فقرأ : وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى ( 2 / البقرة / الآية 125 ) ، فجعل المقام بينه وبين البيت ، فكان أبي يقول ( ولا أعلمه ذكره إلّا عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ) : كان يقرأ في الرّكعتين قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ و قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ . ثمّ رجع إلى الرّكن فاستلمه ، ثمّ خرج من الباب « 5 » إلى الصّفا ، فلمّا دنا من الصّفا قرأ إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ ( البقرة / 158 ) ، أبدأ بما بدأ اللّه به ، فبدأ بالصّفا ، فرقي عليه ، حتّى رأى البيت فاستقبل القبلة ، فوحّد اللّه وكبّره ، وقال : « لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له ، له الملك ، وله الحمد ، وهو على كلّ شيء قدير ، لا إله إلّا اللّه وحده ، أنجز وعده ، ونصر عبده ، وهزم الأحزاب وحده . ثمّ دعا بين ذلك ، قال مثل هذا ثلاث مرّات ، ثمّ نزل إلى المروة ، حتّى إذا انصبّت قدماه « 6 » في بطن الوادي سعى ، حتّى إذا صعدتا « 7 » مشى ، حتّى أتى المروة ففعل على المروة كما فعل على الصّفا ، حتّى إذا كان آخر طوافه على المروة ، فقال : « لو أنّي استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي ، وجعلتها عمرة ، فمن كان منكم ليس معه هدي فليحلّ ، وليجعلها عمرة » . فقام سراقة بن مالك ابن جعشم ، فقال : يا رسول اللّه ألعامنا هذا أم لأبد ؟ ، فشبّك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أصابعه واحدة في الأخرى وقال : « دخلت العمرة في الحجّ ( مرّتين ) لا بل لأبد أبد » ، وقدم عليّ من اليمن ببدن « 8 » النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فوجد فاطمة - رضي اللّه عنها -

--> ( 1 ) واستثفري : الاستثفار : هو أن تشد في وسطها شيئا ، وتأخذ خرقة عريضة تجعلها على محل الدم وتشد طرفيها ، من قدامها ومن ورائها ، في ذلك المشدود في وسطها ، وهو شبيه بثفر الدابة الذي يجعل تحت ذنبها . ( 2 ) القصواء : هي ناقته صلّى اللّه عليه وسلّم ، قال أبو عبيد : القصواء : المقطوعة الأذن عرضا . ( 3 ) فأهل بالتوحيد : يعني قوله : لبيك لا شريك لك . ( 4 ) رمل ثلاثا : الرّمل هو إسراع المشي مع تقارب الخطا . ( 5 ) ثم خرج من الباب : أي من باب بني مخزوم ، وهو الذي يسمى باب الصفا ؛ لأنه أقرب الأبواب إلى الصفا . ( 6 ) حتى إذا انصبت قدماه : أي انحدرت ، فهو مجاز من انصباب الماء . ( 7 ) حتى إذا صعدتا : أي ارتفعت قدماه عن بطن الوادي . ( 8 ) ببدن : هو جمع بدنة ، وأصله الضم ، كخشب في جمع خشبة .